تعليم مبكر لتعزيز قدرات الأطفال

    لا شك أنّ بنية الدورة التعليمية في مؤسسة قطر بشموليتها وتكاملها من أبرز ما حققته المؤسسة من إنجازات خلال السنوات الـعشرين الأولى من عمرها.
    null
    أرست مؤسسة قطر بهذه الدورة الأسس والدعائم لجيل من الشباب القطري المزود بأعلى قدر من مستويات التعليم، ليضحى ساعد الدولة الذي تعوّل عليه في تحقيق رؤيتها وترسيخ ثقافة الابتكار والإبداع لديها، مؤملةً بذلك إيجاد مجتمع قائم على المعرفة.

    وبفضل هذه الدورة التعليمية، ينخرط الطلاب في التعليم منذ سن مبكرة تبدأ من عمر 6 أشهر مرورًا بالمرحلة الجامعية والدراسات العليا وحتى برامج الدكتوراه.

    أتيحت لأولياء الأمور فرصة سانحة لتسجيل أبنائهم في برنامج مؤسسة قطر للتعليم المبكر عند بلوغهم 6 أشهر، فهذا البرنامج يقدم خدماته للأطفال منذ هذه المرحلة وحتى 3 سنوات داخل 3 مراكز، ممثلة في أكاديمية قطر الدوحة ومركز الطلاب بجامعة حمد بن خليفة والنادي الاجتماعي بالمدينة التعليمية، وجميعها يعمل تحت رعاية أكاديمية قطر، عضو مؤسسة قطر.

    منهج مدعوم بالتجربة
    نبعت الرؤية التي يرتكز إليها البرنامج من إلهام صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر. وفي حديثها مع مجلة «المؤسسة»، أوضحت جيليان جوناي، نائب مدير المدرسة الابتدائية بأكاديمية قطر - الدوحة وواحدة من أبرز الشخصيات التي أسهمت في إنشاء البرنامج وتنفيذه، كيفية إرساء قواعد البرنامج عام 2010 حتى قبيل افتتاح أول مركز له عام 2012، قائلةً: «كان أول من طرح فكرة مركز التعليم المبكر صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، التي حثتنا على العمل لتوسيع خدمات أكاديمية قطر التعليمية لتشمل مرحلة التعليم المبكر وقبول التحاق الأطفال بدءًا من سن 6 أشهر. فكنت من أشد المتحمسين للاشتراك في هذا المشروع. وانتهى بنا المطاف إلى اختيار منهج ريجيو إيميليا، وهو فلسفة تعليمية ظهرت في إيطاليا تسعى إلى تعليم الأطفال كيفية التعبير عن أنفسهم من خلال إثارة فضولهم وتشجيعهم على الإبداع».

    وانطلاقًا من هذا المنهج، اعتمد مركز التعليم المبكر «منهجًا دراسيًا إبداعيًا» يستند إلى بحوث علمية أجرتها ونشرتها شركة «استراتيجيات التعليم» المتخصصة في التعليم المبكر.

    يرتكز هذا المنهج الدراسي على 5 مكونات أساسية تجمع بين عدد متنوع من الدراسات النظرية والخبرات، وتنطوي على الشراكة مع الأسر، والإحاطة بطبيعة نمو الأطفال الرضع والأطفال حديثي المشي والأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عامين و3 أعوام، وتوفير بيئة متجاوبة، ومعرفة احتياجات الأطفال، والاهتمام بالرعاية والتدريس.

    من جانبها، ترى جو إليس، نائب مدير مركز التعليم المبكر في أكاديمية قطر - الدوحة، أن البرنامج استلهم بيئة التعلّم من البحوث الدولية حول النمو العقلي للأطفال، لاسيما النمو خلال مرحلتي الرضاعة وعمر 3 سنوات، فأوضحت قائلةً: «أكدت الأبحاث أن زيادة معدل مشاركة الأطفال وتفاعلهم في بيئات التعلم في مرحلة عمرية مبكرة يثمر عن تعزيز قدرتهم على التعلم طوال حياتهم. وقد أسهم منهج ريجيو إيميليا في تكوين التصور الذي يضعه المجتمع حول الأطفال وأهميتهم بالنسبة له باعتبارهم مواطنين يقدمون إسهامات للمجتمع، شأنهم في ذلك شأن أي فرد آخر في المجتمع. وكانت هذه المبادرات هي القوة الدافعة وراء كثير من الممارسات المدروسة في مجال التعليم المبكر».

    التعلم من خلال اللعب
    يمضي الأطفال الملتحقون ببرنامج مركز التعليم المبكر يومهم في التعلم باستقلالية، سواء تحت إشراف معلم لكل طفل أو لكل مجموعة صغيرة من الأطفال.وجرى إعداد التجارب التي ينخرط فيها الأطفال بحيث تحفّز لديهم مهارات التساؤل والمشاركة اليقظة والاستقلالية وتحقيق التوازن بين النمو الاجتماعي والعاطفي والجسدي والمعرفي واللغوي، فيتاح لكل طفل قضاء وقته في مختلف البيئات، سواءً كانت غرفة أو في الهواء الطلق أو إحدى قاعات الفن بالمركز.
    FM82 PAGE 29 AR.JPG
    وأضافت جو إليس قائلةً: «تتمثّل أهم المهارات التي نقوم بتعليمها للأطفال في المهارات الاجتماعية والعاطفية، كما نساعد الأطفال في التعبير عن مشاعرهم والتواصل مع الآخر منذ سن مبكرة. ونشجع منهج التعلم من خلال اللعب، والذي يقوم على تجربة الجديد دائمًا. فهذا الأسلوب من أساليب التدريس يمتاز بجرعته الحسية العالية من حيث التجارب التي نمد الأطفال بها، فكل ما نقوم به يرمي إلى تزويد الأطفال بالقدرة على استكشاف أنشطة جديدة في بيئات متنوعة. فتتاح الفرصة لهم دائمًا للركض والقفز والتواصل الاجتماعي والتعلم بصحبة غيرهم من الأطفال. ورغم تنوع الخلفيات التي انحدر منها معلمو أكاديمية قطر ومركز الطلاب بجامعة حمد بن خليفة والنادي الاجتماعي بالمدينة التعليمية، ثمة إيمان راسخ يؤلف بين جموعهم ويستند إلى أن الاستفادة الكبيرة التي ستعود على الأطفال من خلال وجودهم في بيئة إبداعية تثري معارفهم وسط كوكبة من المعلمين المؤهلين وباستخدام منهج دراسي رائع. فهذا ما اجتمعنا عليه هنا، تدريس الطلاب عبر اللعب وإثارة روح التساؤل لديهم. وليس هذا بمنهج التعلم التقليدي، بل هو إلى حد كبير منهج تعلم يرتكز إلى بيئات تدفع الأطفال نحو التفكير».

    التكامل طريقنا إلى اكتساب الثقة
    يرتكز منهج البرنامج على مبادئ تدعو إلى توفير منهج متكامل في تعليم اللغة، إذ يتولى التدريس في كل فصل دراسي معلمان أحدهما يتحدث العربية والآخر يتحدث الإنجليزية بالإضافة إلى معلم ثالث مساعد. وأوضحت تغريد المنصوري، نائب مدير المدرسة الابتدائية في أكاديمية قطر - الدوحة، هذا قائلةً: «يستطيع الأطفال بفضل نموذج التكامل المطبق في مراحل مبكرة من عمرهم تحقيق التوازن بين عقلية التفكير الدولية وهويتهم القطرية ولغتهم الأم».
    420A9245.jpg
    في هذا الصدد، قالت ريم سالم، منسقة مواد اللغة العربية والإسلامية بمركز التعليم المبكر في أكاديمية قطر - الدوحة التي التحقت بالعمل في الأكاديمية قبل 17 عامًا: «لقد سلط المقترح الأول الذي طرحته صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر الضوء على ضرورة دعم المركز للغة دولة قطر الأم. فإذا لم يتمكن الأطفال من لغتهم الأم، فإنهم على الأرجح سيواجهون مشكلات عند البدء في تعلم لغة ثانية أو ثالثة خلال حياتهم. وهنا تأتي أهمية توفير المركز لبرنامج قوي للطلاب لتعليم اللغتين العربية والإنجليزية».

    من ناحية أخرى، فإن غرس الثقة لدى أولياء أمور الأطفال الملتحقين بالبرنامج يعد أمر ضروريًا لضمان نجاح البرنامج، وهو ما أكّدته ريم سالم التي تعتقد أن معلمي البرنامج غالبًا ما يتلقون استفسارات حول ما يقتضيه التعليم المبكر من أمور، ولكن لابد أن نعلم أن الرد على مثل هذه الاستفسارات لن يغني شيئًا ولن يكون محل أهمية لدى أولياء الأمور ما لم يكن لديهم ثقة في البرنامج ومراعاته لقيم الأسرة القطرية وقدرته على إحداث فارق شاسع في حياة أطفالهم وسلوكياتهم، وأضافت قائلةً: «أول تحد واجهنا هو التأكيد دومًا على أولياء الأمور أننا لسنا مركزًا لرعاية الأطفال نهارًا أو مجرد دار حضانة، بل إننا مركز للتعليم المبكر. إيصال هذه الفكرة لديهم لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل يتم رويدًا عندما يلمسون النتائج بأنفسهم. وفي هذا الصدد، أصبحت الأسر التي بدأت معنا منذ عام هم رسلنا وصوتنا الذي يصيح بين ربوع المجتمع قائلًا: إن حياتنا اختلفت منذ التحاق أطفالنا بالبرنامج».

    وفي سبيل توضيح ماهية البرنامج لأولياء الأمور، قام كل مركز من مراكز التعليم المبكر في شهر أكتوبر 2015 بتنظيم «يوم الرياضيات العائلي» الذي استهدف مشاركة أولياء الأمور أطفالهم الجلوس داخل القاعات الدراسية. ترمي هذه الفعالية إلى تفاعل الطلاب ومساعدتهم في إتقان مفاهيم الرياضيات الأساسية لديهم مع إتاحة الفرصة لأولياء الأمور لممارسة دور أكثر فاعلية في عملية تعلمهم.

    ترى كارين ويلر، أحد كبار المعلمين بمركز التعليم المبكر في أكاديمية قطر - الدوحة، التي انضمت إلى عضوية مؤسسة قطر أوائل العام الجاري، أن منهج التدريس الشامل وإتاحة الفرصة لأولياء الأمور للمشاركة ترك لديهم انطباعًا رائعًا؛ حيث أوضحت قائلةً: «يعمل الجميع ضمن فريق واحد يدعم بعض أفراده البعض الآخر بما يحقق مصلحة الأطفال. شجعتني رؤية أولياء الأمور وهم ينضمون لأطفالهم في المناسبات التي تقام بالمركز إلى تجربة هذه العمليات الدراسية والإحاطة بمنهجنا المتبع في التعليم».

    إنجازات للأجيال القادمة
    على الرغم من أن برنامج مركز التعليم المبكر ما زال في مهده، لاسيما وأنّ أكاديمية قطر الدوحة فتحت أبوابها عام 2012 قبل انضمام مركز الطلاب بجامعة حمد بن خليفة والنادي الاجتماعي بالمدينة التعليمية إلى القافلة عامي 2013 و2014، اتفق المعلمون على أنّ للمركز أهمية بالغة لا يمكن الاستهانة بها في دورة مؤسسة قطر التعليمية.

    في هذا السياق، أكدت جو إليس قائلةً: «كان أكثر الجوانب روعة في هذا المنهج التعليمي هو إمكانية التحاق الطفل وهو لا يزال يبلغ من العمر 6 أشهر وبإمكانه الرحيل متى بلغ 18 عامًا. نصطحب أولياء الأمور معنا في هذه الرحلة ليروا بأعينهم أطفالهم وهم ينمون ويحققون نجاحًا أكاديميًا على كافة المستويات».

    في حين ترى ريم سالم أن الإرث الذي سعت مؤسسة قطر إلى تركه ورائها من خلال دورتها التعليمية الكاملة ينتقل فعلًا من جيل إلى آخر بفضل الآمال المعقودة على برنامج مركز التعليم المبكر ونتائجه، وعقبت قائلة: «تقوم رؤية أكاديمية قطر على تمكين الطلاب من تحقيق التميز الأكاديمي فيكون بذلك مواطنًا مسؤولًا. ويمكنني القول إنني شهدت ثمار البرنامج ماثلة أمامي في طلابي السابقين من خلال عملي طوال 17 عامًا في أكاديمية قطر، فكثير منهم أصبحوا بالغين يعملون داخل دولة قطر، ومنهم من تزوج وأنجب أطفالًا، وقد أخبرني هؤلاء برغبتهم في التحاق أطفالهم بأحد مراكز التعليم المبكر، فشعرت بسعادة بالغة وفخر كبير بعملي ضمن هذا البرنامج في أكاديمية قطر».